حين يصبح الإعلام جزءاً من المعركة: لماذا يتجاهل الإسرائيليون مجاعة غزة؟
ترجمة – نبض الشام
في الوقت الذي تؤكد فيه تقارير أممية وصول المجاعة إلى مستويات كارثية في غزة، يواصل الإعلام الإسرائيلي تجاهل المأساة أو التشكيك في حقائقها. تحت ضغوط حكومية وشعبية، اختار معظم الصحفيين الاصطفاف خلف الرواية الرسمية، ما أدى إلى تغييب صوت الضحايا الفلسطينيين وصناعة حالة من اللامبالاة الجماعية في المجتمع الإسرائيلي تجاه معاناة غزة.
قد يكون بعض الصحفيين منحازين، وقد يتعرض آخرون لضغوط خارجية، لكن عدداً كبيراً من الصحفيين في إسرائيل فشلوا في نقل الحقيقة عن غزة. في إحدى الحلقات على القناة 13 الإسرائيلية، قاطع مقدم البرامج إيال بيركوفيتش الصحفية إيمانويل إيلباز-فيلبس عندما حاولت التحدث عن معاناة غزة قائلاً: “ولماذا يجب أن نهتم؟”.
تقرير أممي مغيّب
أحياناً، تأتي الأخبار الأهم من العناوين التي لم تُكتب. هذا ما حدث يوم الجمعة الماضي في نشرة الأخبار المسائية على القناة 13 الإسرائيلية، إذ قبل ساعات قليلة فقط أصدرت هيئة خبراء معتمدة من الأمم المتحدة تقريراً أكد أن المجاعة (في أقصى مراحلها) قد ضربت مدينة غزة. ومع ذلك، لم يُذكر الأمر مطلقاً في النشرة.
إعلام يشكك ويتجاهل
وبينما أشارت بعض البرامج الإخبارية الأخرى إلى التقرير، كان واضحاً أنها تعاملت مع نتائجه بكثير من الشك، إن لم يكن بالاستهزاء. باستثناء بعض المعلقين الذين أقرّوا بوجود جوع حقيقي في غزة، كان الخطاب السائد يسوده التشكيك والسخرية.
فعند الإشارة إلى نتائج التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، وصف مقدم نشرة الأخبار المسائية على القناة 12 التقرير بأنه “موضع جدل”، رغم أن هذا التصنيف منظمة عالمية معترف بها تقوم بقياس شدة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية منذ أكثر من عقدين.
القنوات الرسمية تسير باتجاه واحد
أما القناة الرسمية كان، فقد ذهبت أبعد من ذلك، حيث زعمت أن التقرير “يعتمد على مصادر مرتبطة بحماس ويتجاهل الأرقام الحقيقية” التي يقدمها الجيش الإسرائيلي. وأضافت القناة: “الأمم المتحدة تفضل ترديد الحملة الكاذبة حول الجوع التي أطلقتها حماس، وتتجاهل من يعانون الجوع فعلاً: الرهائن الإسرائيليون في غزة”. وقد يتساءل المرء هنا: لماذا لا يمكن أن يكون الرهائن أنفسهم يعانون سوء التغذية بينما يموت آخرون جوعاً من حولهم؟
ضغط حكومي وترهيب إعلامي
ورغم وجود أصوات قليلة معارضة في بعض البرامج، فإن التعليق الإعلامي في إسرائيل، وخاصة فيما يتعلق بالجيش وأفعاله، يبدو أحادي النغمة بشكل لافت. ويعود ذلك جزئياً إلى أن كثيراً من الصحفيين، شأنهم شأن معظم الإسرائيليين، أدوا الخدمة العسكرية الإلزامية في جيش الاحتلال، ما يجعلهم يرون أنفسهم أشبه بـ”لواء آخر” في ساحة المعركة.
لا تزال الأخبار المسائية في إسرائيل تحظى بمكانة مؤثرة، حيث تستعين القنوات بلوحات من المحللين تتضمن عادة لواءً متقاعداً على الأقل، إلى جانب محللين ومعلقين (معظمهم من الرجال) لكن هناك موضوعاً واحداً يتجنبونه جميعاً: السكان المدنيون في غزة.
جدار الخوف والخطوط الحمراء
ويبدو أن هذا التجاهل ليس مجرد خيار شخصي للمحللين. ففي الشهر الماضي، تسرّبت محادثة من مجموعة واتساب داخلية خاصة بأخبار القناة 12، حيث انتقد بعض الصحفيين غياب التغطية الإنسانية، لكن المدير التنفيذي للشبكة ردّ عليهم باستخفاف قائلاً إن عليهم “مشاهدة الأخبار بدلاً من اقتراح ما يجب بثه”.
ووفقاً لصحفي يعمل في قناة كان في حديث مع صحيفة هآرتس في ديسمبر الماضي:
“يتجنبون في الأخبار الخوض في القضايا الشائكة، وإن اضطروا لذلك، يفعلونها بخوف وبطريقة ترضي الجميع. إنه أمر مؤلم بالنسبة لي أن أرى المكان الذي أعمل فيه يحاول جاهداً الاتجاه يميناً، بينما تتهمه الحكومة بأنه يساري”.
جزء آخر من القصة هو الضغط الحكومي المباشر. فالإعلام الإسرائيلي يتعرض لمراقبة مستمرة – بل حتى للتهديد – من حكومة بنيامين نتنياهو، التي تصف القنوات المعارضة بأنها “قنوات سموم” وتعاقب أو تقاطع كل من يحاول تقديم تغطية مستقلة. وفي مثل هذا المناخ، ليس مستغرباً أن يتجنب الصحفيون تقديم أي حقيقة قد تكون غير مريحة للحكومة أو حتى للجمهور نفسه.
منابر ترفض صوت غزة
وبحسب استطلاع رأي نُشر في يونيو الماضي، فإن 64٪ من الإسرائيليين يعتقدون أن تغطية الإعلام المحلي لغزة “متوازنة”، ولا يرون ضرورة لعرض صورة أوسع. وبين الناخبين الداعمين للأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، ارتفعت النسبة إلى 89٪.
لكن الضغوط لا تأتي من الحكومة وحدها. فهناك الخوف من فقدان الوظيفة. كثير من الصحفيين في إسرائيل قلقون من أن التعبير عن “الرأي الخطأ” أو تبني موقف مثير للجدل قد يؤدي إلى استبعادهم من البرامج الرئيسية. وقد وقعت حالات عديدة أُجبر فيها الصحفيون على الاعتذار العلني أو توضيح تصريحاتهم. ومن الأمثلة البارزة، ما حدث عندما دعا محرر الأخبار الدولية في القناة 12 إلى وقف القتال في غزة في اليوم المئة من الحرب؛ إذ قال لاحقاً إنه لم تتم دعوته للمشاركة في نشرات الأخبار المسائية لمدة عام كامل بعد تصريحه.
ورغم وجود بعض الشقوق في جدار الإنكار الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة، فإن الإشارة إلى معاناة الفلسطينيين العزل ما زالت نادرة في التلفزيون الإسرائيلي. بل إن من يتجرأ على التحدث عنها غالباً ما يواجه تبعات سريعة. ففي الشهر الماضي، حاولت الصحفية إيمانويل إيلباز-فيلبس تسليط الضوء على مشاهد غزة خلال إحدى الحلقات على القناة 13، لكن المذيع إيال بيركوفيتش قاطعها مباشرة وقال: “ولماذا يجب أن نهتم؟”.
إعلام يصنع اللامبالاة
وعلى الورق، قد يتعاطف البعض مع الصحفيين الإسرائيليين نظراً لضغوط الرأي العام والحكومة وربما المدراء المباشرين، لكن هذا لا يبرر حقيقة أن التغطية الإعلامية الإسرائيلية ساهمت في تعزيز حالة الجهل المتعمد بما يجري في غزة، وتجنبت الحقائق التي قد تهدد السردية الإسرائيلية.
التجاهل المتعمد لمعاناة غزة في الإعلام الإسرائيلي لا يعكس فقط تحيزاً سياسياً، بل يكشف عن بنية إعلامية تخضع لضغوط حكومية وشعبية وتشكل جزءاً من المعركة ذاتها. وبينما يُحرم المشاهد الإسرائيلي من الصورة الكاملة، تستمر المأساة الإنسانية في غزة بعيداً عن شاشات التلفاز، تاركة فجوة متعمدة بين الحقيقة والرواية الرسمية.




